ابن عجيبة
12
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
علماء الله بحق ، الذين عناهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : « إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله عز وجل » . ذلك نذر يسير مما عليه أهل الإشارات من مكانة ، وقدر ضئيل مما شرفهم الله به من منزلة . ونستطيع بعد ذلك أن نعرض من مميزات وخصائص علم الإشارات ما يأتي : 1 - علم الإشارات لا ينظر إلى قصص الأنبياء في القرآن الكريم على أنها قصص انتهت بانتهاء أممهم ، وأن تلاوتها الآن للعظة والاعتبار ، فحسب ، وإنما يرون مع ذلك أن الخطاب بها ما زال قائما ، يوجه إلى الإنسان في كل عصر وأوان ، باعتباره مملكة الله الصغرى ، التي انطوى فيها العالم كله ، فمثلا يرمزون لموسى بالقلب أو الروح ، وإلى فرعون بالنفس . وبذلك يكون القرآن في حالة تجدد نزول ، لم ينته الخطاب بانتهاء زمانه ، باعتباره كلام الله وصفته القائمة بذاته ، وتظل بذلك صفة الكلام قائمة غير معطلة ، لم تنته بنزول الكتب السماوية ، فمازال الحق سبحانه متكلما أبدا . 2 - علم الإشارات يكشف عن صدق أهله مع ربهم ، وأمانتهم عند الحديث عن كلامه ، فكل ما قاله القرآن وما تناولته ألفاظه من أداء ، هو في مذهبهم حقيقة ، لا يعرفون مجازا ، ولا يلجئون إلى كناية ، لأنهم بما شاهدوا وذاقوا يدركون هذه الحقائق . ولمّا كانت تلك مواجيد وأذواق لا يمكن نقلها إلى الغير بعبارة رمزوا لها وأشاروا ، ومن هنا أنكر عليهم من أنكر ، أمّا من شاهد مثلهم فقد عرف ما عرفوا ، بل ربما تجدد له من ذلك مشهد أو حقيقة أو مذاق . وهكذا نرى أن أهل الله أمناء على كلامه ؛ دفعتهم غيرتهم على محبوبهم ، وعظيم احترامهم لجنابه ، وإكبارهم لكلامه ، ألا يميلوا عن منطوق ألفاظه إلى مجاز أو كناية ، خشية البعد عن مراده . ولم اللجوء إلى المجاز ما دام للحقيقة عندهم مخلص ؟ فهم لا يرون في قوله سبحانه : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 1 » أن السؤال لأهلها فحسب ، بتقدير مضاف ، كما قيل ، أي : واسأل أهل القرية ، وإنما السؤال للقرية بكل ما فيها ، ومن فيها ، ما داموا يشاهدون تسبيح الجماد ونطق الحيوان . واقرأ إن شئت قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ « 2 » وقوله : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ « 3 » وقوله في حق السماء والأرض : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 4 » فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ « 5 » إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث . وعلى ذلك فلا يكون سؤال القرية قاصرا على أهلها ، لأنه سؤال لما فيها ومن فيها . والمخاطب بذلك لو كانت لديه الخصوصية لخاطب القرية بكل ما تحتويه من كائنات .
--> ( 1 ) من الآية 82 من سورة يوسف . ( 2 ) من الآية 42 من سورة الإسراء . ( 3 ) من الآية 10 من سورة سبأ . ( 4 ) من الآية 11 من سورة فصلت . ( 5 ) من الآية 29 من سورة الدخان .